مقال مميز عن معاني الأحلام للبروفسور أحمد الإمام

الأحلام


تعاطت كل الحضارات مع أحلام ملوكها بمحمل الجد وعُقدت مجالس الحكماء لتفسيرها واستنباط الإشارات الغيبية، واتخاد القرارات المصيرية لتعيين الولاة وتحديد زمن الغزوات وتقنين أوقات وسبل الري، وسن القوانين لضبط مختلف مناحي الحياة؛ وتطورت المفاهيم إلى أن أصبح عامة الناس يعتدون بأحلامهم وكثرت الكتب لتفسيرها وانتشر ممتهنو حرفة التأويل إلى أن تنامت التجاوزات، وتعاظمت الإدعاءات لتحقيق مصالح فردية أو فئوية وإضفاء الشرعية عليها، مما أدى إلى محاربة تفشي هذه الظاهرة واستُصدرت القوانين بتجريم هذه الممارسات كالقانون الذي اعتمده نابليون بحبس ممتهن تأويل الأحلام وذلك إلى غاية سنة 1992 حيث تم إلغاؤه.

أما الشريعة فقد أغلقت الباب أمام أي شبهة بإقحام الأحلام في مجال التشريع وتركت المجال فسيحا للتفسير والتأويل وفق الضوابط الإسلامية عامة.

تغيرت نظرة العالم إلى الأحلام حين أثبتت الدراسات التي أجريت بفرنسا في أوائل الستينات على القطط، أن لها وظيفة فيزيولوجية أساسية لترسيخ أنماط نشاطات الدماغ بما يتوافق مع فصيلة كل كائن حي، واكتشف لأول مرة تواتر الذبذبات وتعاقب فترة النوم العميق التي تتميز بزيادة حركة العيون وكأنها في حالة يقظة تشاهد مجريات الأمور، بينما هي في مرحلة استرجاع أثناء النوم للمعلومات المخزنة لترتيبها وتصنيفها ومشاهدتها بطريقة مختلفة.

يتفاعل كل شخص مع أحلامه بمكونات موروثه الثقافي-الحضاري وحصيلة تجاربه الشخصية، ولا يتذكر المرء إلا تلك التي يُسقط فيها أحاسيسه الدفينة وانطباعاته العاطفية؛ فعندما يعاني من أزمات وجدانية أو قلق مهني أو صراعات علائقية فإنه يستعيد تفاصيل أحداثه اليومية عساه يهتدي إلى مخرج سليم أوتلهمه بصيرته سواء السبيل.

يلجأ كثيرون إلى غيرهم لتعبير مناماتهم وتفسير أحلامهم، وكأنهم يرتضون بما يرضاه غيرهم لهم، أوأنهم يحتاجون إلى سماع توجيه لسلوكياتهم من طرف الآخرين، وهذا يجعلهم كالذين يحتاجون لأغراب لكتابة رسائلهم الخاصة ويغفلون أنه بإمكانهم تعلم الكتابة والقراءة ليعبروا بكلماتهم عن أفكارهم وأحاسيسهم.

معظم المعاجم والفهارس الموضوعة لتبيان معاني رموز الأحلام تعرض تفاسيرها وكأنها عالمية، بينما هي متعلقة بالثقافة والحضارة التي تعطي معانيها لكل الرموز فمثلا الحشرات في الثقافة العربية هي عبارة عن أذى وشر وأشخاص حاسدين، بينما تمثل عكس ذلك في الثقافة الفرعونية وكذلك البحار والماء الغزير الذي يدل على الخير العميم والعلم الغزير، بينما قد تعني الدمار والخراب في البلدان التي تعاني من ويلات السيول والفيضانات.

يستطيع كل قارىء أن يستنبط القواعد العامة لكل الرموز بما يتوافق مع موروثه الثقافي والحضاري وهذا جزء عام في الأحلام، أما الجزء الشخصي والخاص يتمثل في الصور التي تجمع بين كل التداعيات اللاواعية. كلما اجتهد المرء لفهم كل مكنوناته سعى لتوجيه اختياراته المعيشية وسلوكياته بتناغم بين ظاهره وباطنه.

كما أن الحلم يخبرنا عن أنماط التفاعل مع الأحداث، فبعضهم يعيش بأحاسيس العجز في مواجهة مخاوفه ووحوشه اللاواعية، ويرى نفسه مغلوبا على أمره، مستسلما لما يتعرض له؛ بينما قد يرى آخرون أنهم يواجهون كل من يحاول إيذاءهم، فالتركيز على هذه الإشارات يوجه إلى الإيحاءات الذاتية السلبية التي قد تحاصر المرء داخل سجن أوهامه.

تسيطر بعض الأحلام على أحاسيس الإنسان فيستيقظ مرهقا، متعبا، متأثرا بما رآه، بل بما عاشه لحظات سباته، وتمتد المآسي لساعات وأحيانا لأيام تنغص عيشه وذلك مؤشر على المواضيع التي لا تزال معلقة ولم يستطع بعد معالجتها بصيغة حاسمة ومريحة له؛ فتختلط في بعض الحالات الأحلام بالواقع وتتداخل منامات الليل بتخيلات وهلوسات اليقظة، حيث لا يستطيع المريض أن يميز بين تداعيات الحقيقة ومتاهات الأوهام.

يعيش بعض الناس في عالمهم الخاص المليء بالأحلام والخيالات رغم أن حياتهم العامة عادية، إلا أنهم يجدون راحتهم باللجوء إلى غرفة أحلام اليقظة، في كثير من الأحيان تكون هذه الحالة ناتجة عن غياب التواصل مع المقربين، بل قد يصل الأمر إلى العجز عن إيجاد العبارات المناسبة للتعبير عن آلامهم وأفكارهم مع الآخرين وتبرز من بين هؤلاء فئة من المبدعين الذين تعرضوا في حياتهم لكثير من المعوقات والمنغصات فيصبحون كتابا بارعين، مرموقين ومشهورين بخيالهم الغني والواسع والأمثلة على ذلك كثيرة.

تلعب الأحلام دورا أساسيا في إثراء واستثارة نمو نشاط الجهاز العصبي المركزي لدى الطفل، بحيث تتكاثر الروابط بين باحات الدماغ لاستيعاب مختلف الصور وإكسابها معاني ملموسة ومبسطة، كما أن الحكايات المتشعبة المعاني والمتضمنة للكثير من الإيحاءات تحفز القدرات الذهنية لدى الطفل للتركيز والفهم والإستنباط واستخلاص العبر والأهداف واستشراف أولى العناصر المنطقية ومفاهيمها الجوهرية.

توجه الأحلام طموحات العظماء الذين يترجمون أفكارهم إلى فعل واقعي، فيجتهدون لجعل رؤاهم إنجازات، فيكتسبون بذلك مفاتيح تأويل ما كان مضمرا في صدورهم إلى ما يمسكونه بقبضتهم.

المصدر: البروفسور أحمد الإمام- مركز التعلم المتميز لتنمية القدرات- دبي والعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.